محمد بن جرير الطبري
183
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هاوِيَةٌ قال : الهاوية : النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ، ويأوي إليها ، وقرأ : ومأواهم النار حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وهو مثلها ، وإنما جعل النار أمه ، لأنها صارت مأواه ، كما تؤوي المرأة ابنها ، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها ، بمنزلة أم له . وقوله : وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أشعرك يا محمد ما الهاوية ، ثم بين ما هي ، فقال : نارٌ حامِيَةٌ يعني بالحامية : التي قد حميت من الوقود عليها . آخر تفسير سورة القارعة [ تفسير سورة التكاثر ] القول في تأويل قوله تعالى : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ كَلَّا . . . عَيْنَ الْيَقِينِ يقول تعالى ذكره : ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم ، وعما ينجيكم من سخطه عليكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حديث بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ قال : كانوا يقولون : نحن أكثر من بني فلان ، ونحن أعد من بني فلان ، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم ، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قالوا : نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كلام يدل على أن معناه التكاثر بالمال . ذكر الخبر بذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه عبد الله بن الشخير أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقرأ : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ قال : " ابن آدم ، ليس لك من مال إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، عن أبي بن كعب ، قال : كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن : " لو أن لابن آدم واديين من مال ، لتمنى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ثم يتوب الله على من تاب " حتى نزلت هذه السورة : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ إلى آخرها . وقوله صلى الله عليه وسلم بعقب قراءته : " ألهاكم " ليس لك من مالك إلا كذا وكذا ، ينبئ أن معنى ذلك عنده : ألهاكم التكاثر : المال . وقوله : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ يعني : حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها ؛ وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر ، لأن الله تعالى ذكره ، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر ، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدا منه لهم وتهددا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، عن قيس ، عن حجاج ، عن المنهال ، عن زر ، عن علي ، قال : كنا نشك في عذاب القبر ، حتى نزلت هذه الآية : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ إلى : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في عذاب القبر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عن ابن أبي ليلى ،